التواضع

عرض المقال
التواضع
2401 زائر
01-01-1970 01:00
حسام الدين الكيلاني

التواضع

بقلم حسام الدين سليم الكيلاني

إن الله يحبّ تواضعَ العبد عند أمرِه امتثالاً، وعند نهيه اجتنابًا، والشّرفُ يُنال بالخضوع لله والتواضعِ للمسلمين ولينِ الجانب لهم واحتمالِ الأذى منهم والصّبر عليهم، قال جلّ وعلا موجهاً خطابه للنبي r: )وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ( الحجر:88.

ولذلك نأسس في التواضع فنقول : إن التواضع سبب الرفعة في الدنيا والآخرة ، وهو سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع ، ولذلك أُمر النبي r بأن يخفض جناحه للمؤمنين ، وليكون قدوة للعلماء وللأمة جمعاء .

أولاً ) التواضع سبب الرفعة في الدنيا والآخرة :

أخرج الإمام مسلم في صحيحه برقم ( 2588 ) حديثاً صحيحاً فقال : عن أبي هريرة t عن رسول الله r قال : {ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزَّاً وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله }.

والتواضع من أخلاق الأنبياء وشِيَم النبلاء، فهذا موسى u رفع الحجرَ لامرأتين أبوهما شيخٌ كبير، وداود u كان يأكل من كَسب يده، وزكريّا u كان نجّارًا، وعيسى u يقول: )وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا( مريم:32. وما مِن نبيّ إلاّ ورعى الغنم، ونبيّنا r كان رقيقَ القلب رحيمًا خافضَ الجناحِ للمؤمنين ليّن الجانب لهم، يحمِل الكلَّ ويكسِب المعدوم، ويعين على نوائبِ الدّهر، وركب الحمارَ وأردفَ عليه، يسلّم على الصبيان، ويبدأ من لقيَه بالسلام، يجيب دعوةَ من دعاه ولو إلى ذراعٍ أو كُراع، ولما سئِلت عائشة رضي الله عنها: {ما كان النبي r يصنَع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة أهله ـ يعني: خدمتهم ـ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة} رواه البخاري.

ثانياً ) التواضعُ سبَب العدلِ والأُلفة والمحبّة في المجتمع :

أخرج الإمام مسلم في صحيحه برقم ( 2865 ) فقال : قام رسول الله r ذات يوم خطيباً فقال : { وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ ولا يبغِ أحدٌ على أحدٍ }. المتواضعُ منكسِر القلب لله، خافضٌ جناحَ الذلّ والرحمة لعباده، لا يرى له عند أحدٍ حقًّا, بل يرى الفضلَ للناس عليه، وهذا خلقٌ إنما يعطيه الله من يحبّه ويقرّبه ويكرمه.

ثالثاً ) تواضعه r : )لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً( الأحزاب:21. فكيف كان تواضع رسول الله r ؟

1 - تواضعه r في نفسه : أخرج الحاكم في المستدرك برقم [ 4366 ] فقال : حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن صاعد ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا جعفر بن عون ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن أبي مسعود أن رجلا كلم النبي r يوم الفتح فأخذته الرعدة فقال النبي r هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

2- أخذه r بمشورة أصحابه : ففي غزوة الخندق أخذ النبي r برأي سلمان وحفر الخندق وفي بدر أخذ برأي الحباب بن المنذر في أن يجعل مياه بدر خلفه لئلا يستفيد منها المشركون.

وكان يقول r غالباً وفي مواقف كثيرة لأصحابه: ((أشيروا علي – أشيروا علي)) .

3 - نقله r للتراب يوم الخندق : عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان النبي r ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبر بطنه يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنـا ولا صلينـا

فأنزلن سكينة علينــا وثبت الأقدام إن لاقينـا

إن الألى قد بغوا علينـا إن أرادوا فتنــة أبينـا

ويرفع بها صوته: أبينـا، أبينـا

4 - رعيه الغنم وتحدثه بذلك r : وأخرج ابن ماجه برقم ( 2149 ) فقال : عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله r: { ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم ، قال له أصحابه : وأنت يا رسول الله ؟ قال : وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط } قال سويدٌ : يعني كل شاة بقيراط .

قال أهل العلم: رعي الغنم وظيفة ارتضاها الله لأنبيائه، فما السر في ممارسة الأنبياء لها؟

قالوا: إن من أسرارها أنها تربي النفوس على التواضع وتزيد الخضوع لله تعالى. ومن أسرارها أنها تربي على الصبر وتحمل المشاق إلى حكم كثيرة وهو الحكيم العليم.

5 - تواضعه r مع الضعفاء والأرامل والمساكين والصبيان :

وأخرج الحاكم في المستدرك برقم : [ 3735 ] فقال : عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه t قال : {كان رسول الله r يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم } هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فلم تشغله النبوة عن ذلك. ولم تمنعه مسؤولية أمته، ولا كثرة الارتباطات والأعمال أن يجعل للضعفاء والمرضى نصيباً من الزيارة والعبادة واللقاء.

فأين أنتم يا أصحاب الجاه والسلطان من هذا الخلق العظيم ؟

أين أنتم أيها الأغنياء من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم ؟

إذا أردتم حلاوة الإيمان أن تطعموها. فهذا هو السبيل إليها فلا تخطؤوه.

6 - تسليمه r على الصبيان : أخرج ابن حبان في صحيحه برقم [ 459 ] فقال : أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس : { أن النبي r كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم }.

إنك ترى - في عصرنا هذا - من يترفع عن المتقين من الرجال فكيف يكون شأنه مع الصبيان والصغار؟

إنك لتجد بعض ضعفاء الإيمان يأنف أن يسلم على من يرى أنه أقل منه درجة أو منصباً، ولعل ما بينهما عند الله كما بين السماء والأرض! ألا فليعلم أولئك أنهم على غير هدي رسول الله r .

7 - خصفه r لنعله وخيطه لثوبه : أخرج أحمد في مسنده برقم ( 24813 ) فقال :عن هشام بن عروة عن أبيه قال : {سأل رجلٌ عائشة : هل كان رسول الله r يعمل في بيته شيئاً ، قالت : نعم ، كان رسول الله r يخصِفُ نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته } .

8 - عمله في مهنة أهله r : أخرج الإمام أحمد في مسنده فقال : حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى عن شعبة قال حدثني الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال قلت لعائشة ما كان رسول الله r يصنع في أهله قالت : {كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة }. ولم يكن رسول الله r يفعل هذا من فراغ في وقته ولكنه كان يحقق العبودية لله سبحانه بجميع أنواعها وأشكالها وصورها.

رابعاً - أحوال وأقوال السلف الصالح ،فمن أحوالهم وأقوالهم نقتطف ما يلي :

1 - عمر بن الخطاب t : هذه امرأة ترد على عمر .. فيصوب قولها ويعلن تراجعه عن رأيه tكما جاء في السير في القصة المعروفة والمشهورة عن تحديد المهور. بل إنه يُروى أن رجلاً قال له: لو زللت لقومناك بسيوفنا، فقال عمر t : الحمد لله الذي جعل من يقوم عمر بسيفه.

قال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب t على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ينبغي لك هذا. فقال: (لما أتاني الوفود سامعين مطيعين - القبائل بأمرائها وعظمائها - دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها).

2 ـ علي بن الحسن t : كان علي بن الحسن يقول: عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء .

3 - الحسن البصري t : قال الحسن رحمه الله: هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً .

4 - أبو علي الجوزجاني رحمه الله تعالى : وقال أبو علي الجوزجاني: النفس معجونة بالكبر والحرص على الحسد، فمن أراد الله هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة، وإذا أراد الله تعالى به خيراً لطف به في ذلك. فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع من نصرة الله تعالى .

5 - مالك بن دينار رحمه الله تعالى : مر بعض المتكبرين على مالك بن دينار، وكان هذا المتكبر يتبختر في مشيته فقال له مالك: أما علمت أنها مشية يكرها الله إلا بين الصفين؟ فقال المتكبر: أما تعرفني؟ قال مالك: بلى، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فانكسر وقال: الآن عرفتني حق المعرفة.

6 - أبو موسى المديني رحمه الله تعالى : لقد كان شيخ المحدّثين أبو موسى المدينيّ يقرِئ الصبيانَ الصغار القرآن في الألواح مع جلالةِ قدرِه وعلوِّ منزلته.

7 - بشر بن الحارث رحمه الله تعالى : يقول بشر بن الحارث: "ما رأيتُ أحسنَ من غنيّ جالسٍ بين يدَي فقير".

8 - الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : يقول الشافعي رحمه الله: "أرفعُ الناس قدرًا من لا يرى قدرَه، وأكبر النّاس فضلاً من لا يرى فضلَه"أخرجه البيهقي في الشعب (6/304).

9- عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى :قال عبد الله بن المبارك: "رأسُ التواضعِ أن تضَع نفسَك عند من هو دونك في نعمةِ الله حتى تعلِمَه أن ليس لك بدنياك عليه فضل " أخرجه البيهقي في الشعب (6/298).

10 - سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى : قال سفيان بن عيينة: من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فاستغفر فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخش عليه اللعنة. فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن.

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
العفو - العفو

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

مسابقة كنز المسلم

قرآن اكسبلورر

جوال كنوز
كنوز صلاة الفجر

اسماء الله الحسنى
همســــــــــات
أحاديث نبوية

فضل السلام

ما يجب قوله عند وقوع مكروه

ما يقول عند ذبح الأضحية

في المسارعة الى فعل الخيرات

الشفاعة حق لمن لا يشرك بالله شيئا

فضل الصوم

عقاب من لا يخرج زكاة ماله

وصية نوح عليه السلام

ثواب من فطر صائما

دعوات لا ترد

ثواب الاعمال الصالحة

فضل قراءة وتعليم القرآن

حكم سب الدهر

فضل الدعاء

عدم الاشراك بالله

جزاء من كان همه طلب الدنيا عن العمل للاخرة

بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة

شكوى النار

حديث العفو

سجود الشكر

أعظم الذنوب

الذنوب نصف شعبان

مصافحة النساء

أنواع الظلم

الصيام في شعبان

معرفة الله في الرخاء

نهي دعاء الإنسان

سلوا الله العافية

ما يقال في السجود

العزم في الدعاء

فضل الصدقة

تعجيل العقوبة

الهزل في الطلاق

من مكفرات الذنوب

الدعاء للمسلمين

إسباغ الوضوء

ثواب المريض

الدعاء بتعجيل العقوبة

في لبس التعال

فضل سورة تبارك

لطف الله تعالى بعبده

الرضا باب الله الأعظم

خبيء العمل الصالح

قبول التوبة

عداوة الشيطان

فضل لا اله الا الله

فضل التصافح

ثواب القرآن

الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ

ذُو الْوَجْهَيْنِ

{ لا تكن ممن ورد ذكرهم }
شاشة توقف
الأشهر الحُرم

احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 1160
بالامس : 2888
لهذا الأسبوع : 4043
لهذا الشهر : 100023
لهذه السنة : 1462303
منذ البدء : 3813329
تاريخ بدء الإحصائيات: 22-2-2015 م
عدد الزوار
انت الزائر :3673081
[يتصفح الموقع حالياً [ 50
الاعضاء :0الزوار :50
تفاصيل المتواجدون
قال صلى الله عليه وسلم : (( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة ؛ قالوا من هي يا رسول الله ؟ قال:ما أنا عليه وأصحابي )) الترمذي 2853